الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

288

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

السابقين ، ولذلك لا تعارض بينهما ( 1 ) . ولكن من المستبعد جدا أن يكون المشركون المعاندون المعاصرون لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خيرا من الضالين السابقين ، وعليه فلا حل للإشكال إلا بما قلناه . 2 - نقرأ في هذه الآيات أنه عندما لم يكن لابتلائهم بالشدائد تأثير في توعيتهم ، فإن الله يفتح أبواب الخيرات على أمثال هؤلاء الآثمين ، فهل هذا ترغيب بعد المعاقبة ، أم هو مقدمة لعقاب أليم ؟ أي : هل هذه النعم نعم استدراجية ، تغمر المتمرد تدريجيا بالرفاهية والتنعم والسرور . . . تغمره بنوع من الغفلة ، ثم ينتزع منه كل شئ دفعة واحدة ؟ ثمة قرائن في الآية تؤيد الاحتمال الثاني ، ولكن ليس هناك ما يمنع من قبول الاحتمالين ، أي أنه ترغيب وتحريض على الاستيقاظ ، فإن لم يؤثر ، فمقدمة لسلب النعمة ومن ثم إنزال العذاب الأليم . جاء في حديث عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوله : " إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب ، فإنما هو استدراج ) ثم تلى الآية فلما نسوا . . . ( 2 ) . وفي حديث عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) قال : " يا ابن آدم ، إذا رأيت ربك سبحانه يتابع عليك نعمه وأنت تعصيه فاحذره " ( 3 ) . وفي كتاب ( تلخيص الأقوال ) عن الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام ) قال : " إن قنبر مولى أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) أدخل على الحجاج ، فقال : ما الذي كنت تلي من علي بن أبي طالب ؟ قال : كنت أوضيه ، فقال له : ماذا يقول إذا فرغ من وضوئه ؟ فقال : كان يتلو هذه الآية : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ، فقطع دابر القوم الذين ظلموا

--> 1 - يشير الفخر الرازي في تفسيره إلى هذا الاختلاف في ج 12 ، ص 224 . 2 - تفسير مجمع البيان وتفسير نور الثقلين ، ذيل الآية . 3 - نهج البلاغة ، الكلمة 25 .